أحدث الأخبار
الجمعة 19 نيسان/أبريل 2024
1 2 3 47281
مسعفة وأم في خان يونس.. التراجع والاستسلام يعني الموت!!
21.02.2024

تسرع المسعفة الفلسطينية، مها وافي، نحو عربة يجرها حمار يجلب صاحبها مصابا برصاص جيش الاحتلال وجده ملقى على الأرض في أحد الشوارع، لتنقله مع زملائها إلى خيمة مقامة في نقطة طبية للهلال الأحمر الفلسطيني في منطقة مواصي خان يونس.تضع المسعفة المصاب على السرير وتتحرك بين جنبات الخيمة كالبرق لتوفير بعض الأدوات اللازمة من الأرفف القريبة لوقف النزيف وتوفير الإسعافات الأولية، وفي هذه الأثناء يقوم زملاؤها بفحص العلامات الحيوية في جسد المصاب ليتحول المكان خلال لحظات إلى خلية نحل تقودها مها وتوجهها كونها الأقدم بين المسعفين.تتوالى اللحظات الحرجة في التعامل مع المصاب الذي يتألم بشدة، وتتعالى أصوات المسعفين للانتظار أكثر للتعامل مع إصابته ببعض الأدوات الأولية قبل نقله إلى مستشفى قريب، لكن المسعفة تشير بيديها إلى زميلها لجلب محفة لنقله إلى سيارة الإسعاف المجهزة خارج النقطة الطبية.لحظات أخرى وتنقل مها مع زملائها الجريح إلى سيارة الإسعاف، ثم تقف إلى جانبه لتشغيل بعض أجهزة التنفس والإعاشة بعد تأمين وضع جسده بشكل مناسب داخل السيارة وربط أحزمة عليها خشية سقوطه بسبب السرعة، لينطلق الإسعاف نحو مستشفى الأقصى في دير البلح بسبب وجود مستشفيات خان يونس تحت حصار الجيش الإسرائيلي.بعد أقل من ساعة واحدة، تعود المسعفة، الحاصلة على دبلوم إسعاف وطوارئ وبكالوريوس تعليم أساسي، إلى النقطة الطبية قادمة من المستشفى لتواصل عملها مع ذات المشاهد المتكررة بشكل يومي منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، وقبل ذلك على مدار 24 عاما عملت خلالها كمسعفة وعاشت الانتفاضة والحروب والتصعيدات العسكرية الأكثر خطورة على حياتها.تدرك المسعفة حجم الأخطار المحدقة بحياتها وهي تنقل المصابين والمرضي وسط القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي، خصوصا أن بعضا من زملائها دفعوا حياتهم ثمنا لعملهم الإنساني الذي يصرون على مواصلته لأن مهنتهم تعد ممرا إجباريا للنجاة قبل الوصول للمستشفيات، على حد قول مها.تتحدث المسعفة (44 عاما) عن معايشتها لأخطار تهدد حياتها مرات عدة خلال سنوات عملها التي تصفها بالأكثر صعوبة، وهي الأخطار ذاتها التي تحدق بزوجها الذي كان يرافقها مسعفا بالهلال الأحمر الفلسطيني قبل أن ينتقل إلى وزارة الصحة منذ 18 عاما ويتولى منذ سنوات إدارة الإسعاف في جنوب قطاع غزة.ورغم نجاتها وزوجها من الإصابة والموت في القصف الإسرائيلي، لكن رفيق دربها لم ينج من الاعتقال لدى جيش الاحتلال خلال محاولته نقل مرضى مصابين من مستشفيات في شمال غزة إلى جنوب القطاع.توضح المسعفة أن زوجها وغيره من المسعفين كان يتم التنسيق لهم مع جيش الاحتلال لاجتياز الحاجز العسكري جنوب مدينة غزة، ونجحوا في القيام بمهمتهم عدة مرات، لكن في المرة الأخيرة اعتقل رغم أنه كان في مهمة طبية وافق عليها الجيش الإسرائيلي.يزيد اعتقال الزوج من الأعباء الثقيلة على كاهل مها، التي تجمع بين مهنتها كمسعفة ومتطلبات أسرتها كأم، والآن تتولى دور الأب الذي هي في أمس الحاجة لوجوده في ظروف النزوح التي تعيشها منذ اندلاع الحرب، متنقلة من مكان إلى آخر حتى حطت رحال عائلتها في خيمة وسط منطقة المواصي.وعلى مدخل الخيمة التي تعود إليها المسعفة في نهاية يوم عمل شاق، يستقبلها ابنها الأصغر بلهفة بعد غيابها ساعات طويلة، فيقفز بين يديها ليحتضنها بقوة مقبلا يديها، فتعلو وجهها ابتسامة حزينة وهي تربت على كتف صغيرها محاولة منحه المزيد من الأمان المفقود.تخلع المسعفة بزة الإسعاف وترتدي ملابس الخيمة، لتبدأ فصولا قاسية من ضنك حياة النزوح، فتعمل على تجهيز ما تيسر من الطعام لأبنائها الخمسة عبر إيقاد نار الحطب في أغلب الأوقات، وأحيانا باستخدام غاز الطهي إن توفر قبل أن تتفقد احتياجاتهم الكثيرة التي لا تستطيع توفيرها في ظل الأوضاع الراهنة.تستمع الأم بإنصات لهموم أبنائها ومخاوفهم الكثيرة جراء القصف الإسرائيلي الذي يصم دويه آذانهم دون أن تكون إلى جانبهم لحظتها، فتكفكف دموع رهف (20 عاما) وتحتضن وتهدئ من روع أحمد (ست سنوات) الذي يسأل باستمرار عن أبيه، في محاولة لتخفيف شوقهم لأبيهم الذي بالكاد كانوا يرونه لانشغاله بمهمته الإنسانية منذ بداية الحرب قبل أن يحرموا منه منذ اعتقاله في الثاني من ديسمبر كانون الأول الماضي.يكسر ابنها الأكبر محمد (22 عاما) أجواء الحزن التي تسود المكان مبلغا إخوته "بابا مش مطول راح يطلع قريب"، محاولا مداعبة شقيقه الأصغر بكرة القدم في ساحة خارج الخيمة عله يوقف بكاءه ولو قليلا شوقا لأبيه.تصف مها تفاصيل حياتها اليومية بأنها "معركة على الجبهات كافة غير قابلة للهزيمة كون التراجع أو الاستسلام يعني الموت والضياع"، معتبرة أنها نجحت في إيجاد توزان بين ظروف عملها ومتطلبات عائلتها طيلة هذه السنوات، وستواصل المسيرة ذاتها في ظل الحرب والنزوح وغياب زوجها.تقول مها "أداوي الجرحى وأخلي المصابين من مناطق الخطر كمسعفة حرب وأعود لخيمتي لأعد لأبنائي طعامهم وشرابهم كأم، مهمتان ثقيلتان في ظل الحرب والنزوح وغياب السند". وأضافت "البكاء لا يفارقني لكنني أتظاهر بالصلابة أمام أبنائي حتى يتماسكوا من جهة وأستطيع أنا الاستمرار في الحياة من جهة أخرى، فلا بديل عن الاحتمال مهما كانت الظروف".

1