كأني أعاني ما يسمى في عالم الكتابة «حبسة الكتابة» كأن اللغة هجرتني.
كأن الكلمات التي كانت تتزاحم على أطراف أصابعي، انقلبت عليّ، أصابها ذلك العطب الغامض الذي يداهم الكاتب حين ترحل عنه اللغة. هل هي امتحان سري يفرضه الإلهام على الكاتب. حين يتوهم أنه قادر دائما على استدعاء الكلمة حين يشاء؟ أم هي لعنة السوشيال ميديا؟
اعترف بأنني أجد نفسي – الكثير مثلي- منقادة إلى ضجيج هذا العالم الغوغائي المنفلت، المتناقض، الجميل القبيح، المُتلاعب به، الشره اللاعقلاني لملاحقة كل ما يُقال، الذى أصبح حضوره الصارخ، العنوان المرافق لولادة سوريا اليوم. أعترف بأنني أجد نفسي منقادة، إلى تلك الفخاخ الصغيرة، الساحرة القلقة، التي ينصبها لنا رواد الأقلام الصفراء من مهاترات وجدال وثرثرة وشتائم وسرديات سُميّة.. لماذا؟ ربما لأننا بشكل ما، قد نعتقد أنها تمنحنا ما نصبو إليه من سبق ووعي وجدل وحوار ومعرفة. ثم نكتشف بخيبة، أنها لم تمنحنا إلا إدراكنا الفج برداءة تفكيرنا، وعدم قدرتنا على الإنصات للألم الإنساني الحقيقي، أمام غواية الكلمة الصفراء. هل لأننا نهرب من الثُقل إلى التافه من الأشياء؟ لإنه المتاح ولأنه الأسهل، أم لأنه قد يرضي ذلك الجزء الخفي المظلم داخل طبيعتنا الإنسانية، المنحاز إلى القبيح من الأمور؟ ما يحدث أنني أجد نفسي في نهاية كل نهار، وقد استنزفت طاقتي وحيويتي، فلم أكتب ما أريد، ولم أقرأ ما أشتهي، فأذبل كوردة انقطع عنها الماء، وتدخل روحي في كمونٍ حزين.
عليَّ أن أنجو -أردد مراراً – من خطر هذا الاعتقال الإرادي التعسفي. عليّ أن أكتب بعيدا عن هذا العالم، أجل عليّ أن أفعل. انكفأ على اللاب توب، أكتب نصوصا عديدة. أقرأ ما كتبته، أضغط زر الإلغاء على الفور. ليست لأنها رديئة بالضرورة، بل لأني أشعر بأنها تشبه تلك النصوص القميئة التي كانت تُحشر في أذهاننا، عن مفهوم الوطن والانتماء، بلغة جمعية جامدة متشابهة.
لا، ليس هذا ما أريده. فأنا لا أجد ذاتي وهوايّ إلا في تلك اللغة المتوترة المرتبكة النزقة، التي تشبه نبض القلب حين يتعثر، لغة تشبهني – تشبه هذا الوطن المعّذب – تفضح ضعفي وخيباتي وندمي، لكنها تفضح أيضاً قدرتي على الإحساس بالألم والأمل معا، يقيني بأن الأمل ليس سلاحا أعزل، بل هو خريطة حياة ذكية، يدّرب فيه المرء غضبه، ويرّبي صبره. أقف أمام نافذتي، أفكر في علاقتي المتأزمة مع الكلمة، تمتد أمامي جبال الألب على مد النظر، مكللة بالثلوج الأبدية. يُقال إن قدر هذه الجبال أن تبقى تحت وطأة هطول الثلوج إلى الأبد، هل هذا صحيح؟ بدا لي هذا القدر كئيبا، ثقيلاً، غير عادل، الثبات المطلق ليس قدرا، الشك هو الأصل، والتفكّك جزء من القانون الطبيعي، لا بد أن يتوقف هطول الثلج يوما، وأن نعرف ماذا تخفي هذه الجبال وراءها.
ألجأ إلى فيروز تغني: سلملي عليه.. قلو إني بسلم عليه.. بوسلي عينيه..
حب بسيط، مرح وحزين ومشتاق، للحبيب والصديق والوطن، حب يُعاش، يُشم، يُشعر به ولا يُعرّف عنه.. يشبه ما تفعله الموسيقى حين تربّت على الروح دون أن تشرح شيئا، أجل هذا ما أريده. وما بين كلمة الأبد التي أثارتني، وكلمات فيروز التي أنعشت عشب قلبي، أجمع أوراقي وأفكاري وعنادي من جديد. عليّ أن أهدأ وأكتب شيئاً مفيداً. لا أدري إن كنت قد جرحت شعور الجبال السويسرية الجميلة، باحتجاجي على أبدية ثلوجها، أعرف مدى اعتزاز السويسريين بالجبال والثلوج والسياح، لكن كلمة «الأبد» بالمفهوم السوري لها معنى الاستبداد الهش، ولها في الذاكرة وقع كريه في النفس، يُذكّر بشعاراتٍ ثقيلة، كانت تُدقّ في رؤوسنا دون رحمة. تذكّر بالديكتاتور البغيض (الأسد باق إلى الأبد) الذي اجتهدوا في زرعه في وعينا.
هل صدّقنا هذه المقولة المقترنة بالتهديد والوعيد؟ كانوا يقولون لنا (الأسد أو نحرق البلد) ويبدو أنه في وقت ما، صدقنا هذه المقولة، فقدنا الأمل، لكن صوت الكراهية كان له ضجيج في داخلنا. ضجيج كبر وعلا حتى تمرد وطغى.
سقط الأبد، سقط الديكتاتور، سقط كما يذوب الثلج مهزوما أمام ضوء الشمس. استيقظ السوريون في الصباح ولم يجدوه. ترك وراءه آلاماً تحتاج عقودا لنسيانها وتجاوزها. هل هو حلم؟ ردد السوريون. اكتشفوا بدهشة أن الشعارات التي تربوا عليها أقل صلابة مما اعتقدوا. لا شيء يستحق أن يبقى أبدياً، لا السلطة ولا الخوف ولا الثلج.
قد أحتاج إلى كثير من الشجاعة، في ما إذا توغلت في وصف مشهد فتح السجون غداة السقوط المدوي للأسد. لماذا؟ أشعر بأني إن فعلت أنني أمتهن عذابات وشجون ودموع وأعمار من كان فيها، لن أستطيع مهما كانت حرارة السرد أن أقترب من ألمها ووحدتها، فانا كنت أتمتع بالحرية والهواء والحياة، وهم كانوا يقبعون في أقبية الظلمة، ينتظرون الخلاص بالموت، وحده الموت كان خلاصهم وحلمهم المشتهى. أما كيف يصبح الموت هو الحلم المشتهى؟ فعليّ أن أطرح قبل ذلك السؤال المرعب: إلى أيّ حد يمكن أن يكون الإنسان وحشاً؟ أضع يدي على لوحة المفاتيح، عساي أستعيد علاقتي الحميمية مع اللغة، ومع الزمن، ومع تلك الرعشة الناعمة التي تسبق بداية كل كتابة، ومع كل ثلجة تهطل ثم تذوب مهما طالت. يبدو أن عليّ أن أعترف بأن الكلمة ضيف عزيز، عليّ أن أظلّ مستيقظة، جاهزة لفتح الباب حين يطرق. تنفست بعمق. علّني أخطّ الكلمة الأولى من الرواية التي أشتاق..

